ابن الجوزي

192

بستان الواعظين ورياض السامعين

( كل ) شيء قبل طي الكتاب ، وغلق الباب ، ونزول الحجاب ، والرحيل إلى التراب . وأنشدوا : لا تأتمن وإن أمسيت في حرم * إن المنايا تفاجىء كلّ إنسان واسلك طريقك وأثبت غير منحرف * حتى تلاقي الجزا من عند رحمن فكل خل وإن أشفقت تتركه * وكلّ مال وإن أكثرته فان والخير والشر مقرونان في قرن * بكل ذلك يأتيك الجديدان ففكروا رحمكم اللّه في أحبابكم وجيرانكم وأصحابكم وإخوانكم وآبائكم وأمهاتكم وأخواتكم والأباعد والأقارب ، وذوي المودة والأجانب . قد استوحشت من أنفسكم الديار ، وانقطعت بينهم الآثار ، وبقوا رهنا في الأحداث بالأوزار . قد هجرهم الحبيب وسلا عنهم القريب ، قد ضيقت عليهم اللحود ، وسالت عيونهم على الخدود ، وتمزقت عنهم الجلود ، ودبت في أجسادهم الهوام والدود ، وبقيت أرواحهم في البرزخ إلى اليوم الهائل الموعود . لم ينفعهم ما جمعوا ، ولا حصّنهم ما بنوا وشيدوا ، ولا منعهم كلما صنعوا . صارت القبور لهم قرارا وفرت الأحباب عنهم فرارا . فانتبهوا يا معشر الإخوان ، واجتهدوا في طاعة الرحمن من قبل مفارقة الأحباب والأوطان . وأنشدوا : هي الأحداث تطرق أو تعاد * وكل للمنية في مهاد وما يبقى الحمام إذا يوافي * شديد البطش جبار القياد فكم أسرى إلى ليث هصور * وجبار من الأجناد عاد فقل لأخي السلامة عش مليا * فإن الكون داعية الفساد وكن في العمر لقمان بن عاد * وهاك حمام لقمان بن عاد فإن المرء في أيدي المنايا * أسير ما له منهن فاد [ 317 ] العبرة بالقبور يا أخي إذا أردت أن تدري كيف حالك من بعدك فأخرج إلى القبور وانظرها وقد عفت ، ومثّل قبرك بين القبور . ثم انظر ماذا تحتاج إليه في قبرك فأكثر منه لطول مدتك فيه وهو العمل الصالح ، فاما ما سوى ذلك فما لك حاجة في شيء من أمور الدنيا فإنه يصير عليك وبالا في قبرك وحسرة ، وانظر حالك الذي أنت عليه